فخر الدين الرازي
626
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [ الزمر : 75 ] . المسألة الثانية : الضمير في قوله : فَوْقَهُمْ إلى ما ذا يعود ؟ فيه وجهان الأول : وهو الأقرب أن المراد فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش الثاني : قال مقاتل : يعني أن الحملة يحملون العرش فوق رؤوسهم . و [ مجيء ] الضمير قبل الذكر جائز كقوله : في بيته يؤتي الحكم . المسألة الثالثة : نقل عن الحسن رحمه اللّه أنه قال : لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف أو ثمانية آلاف صف . واعلم أن حمله على ثمانية أشخاص أولى لوجوه : أحدها : ما روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم اللّه بأربعة آخرين فيكونون ثمانية » و يروى : « ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤوسهم وهم مطرقون مسبحون » [ وقيل : بعضهم على صورة الإنسان ] « 1 » وقيل : بعضهم على صورة الأسد وبعضهم على صورة الثور وبعضهم على صورة النسر ، وروي ثمانية أملاك في صورة الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاما ، وعن شهر بن حوشب أربعة منهم يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ، وأربعة يقولون : سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك الوجه الثاني : في بيان أن الحمل على ثمانية أشخاص أولى من الحمل على ثمانية آلاف وذلك لأن الثمانية أشخاص لا بد منهم في صدق اللفظ ، ولا حاجة في صدق اللفظ إلى ثمانية آلاف ، فحينئذ يكون اللفظ دالا على ثمانية أشخاص ، ولا دلالة فيه على ثمانية آلاف فوجب حمله على الأول الوجه الثالث : وهو أن الموضع موضع التعظيم والتهويل فلو كان المراد ثمانية آلاف ، أو ثمانية صفوف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ، فحيث لم يذكر ذلك علمنا أنه ليس المراد إلا ثمانية أشخاص . المسألة الرابعة : قالت المشبهة : لو لم يكن اللّه في العرش لكان حمل العرش عبثا عديم الفائدة ، ولا سيما وقد تأكد ذلك بقوله تعالى : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ [ الحاقة : 18 ] والعرض إنما يكون لو كان الإله حاصلا في العرش ، أجاب أهل التوحيد عنه بأنه لا يمكن أن يكون المراد منه أن اللّه جالس في العرش وذلك لأن كل من كان حاملا للعرش كان حاملا لكل ما كان في العرش ، فلو كان الإله في العرش للزم الملائكة أن يكونوا حاملين للّه تعالى وذلك محال ، لأنه يقتضي احتياج اللّه إليهم ، وأن يكونوا أعظم قدرة من اللّه تعالى وكل ذلك كفر صريح ، فعلمنا أنه لا بد فيه من التأويل فنقول : السبب في هذا الكلام هو أنه تعالى خاطبهم بما يتعارفونه ، فخلق لنفسه بيتا يزورونه ، وليس أنه يسكنه ، تعالى اللّه عنه وجعل في ركن البيت حجرا هو يمينه في الأرض ، إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم ، وجعل على العباد حفظة ليس لأن النسيان يجوز عليه سبحانه ، لكن هذا هو المتعارف فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله جلس إليهم على سرير ووقف الأعوان حوله أحضر اللّه يوم القيامة عرشا وحضرت الملائكة وحفت به ، لا لأنه يقعد عليه أو يحتاج إليه بل لمثل ما قلناه في البيت والطواف . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 18 ] يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ ( 18 )
--> ( 1 ) زيادة من الكشاف 4 / 152 ط . دار الفكر .